الصالحي الشامي
224
سبل الهدى والرشاد
وروى ابن إسحاق عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه ، حتى أمر بالصدقة ونهى عن المثلة . قال ابن إسحاق وغيره : وأقبلت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها لتنظر إلى حمزة ، وكان أخاها لامها وأبيها ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن تراه ، فقال : " المرأة المرأة " . فقال الزبير بن العوام : فتوسمت أنها أمي صفية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها " ، فخرج يسعى فأدركها قبل أن تنتهي إلى القتلى ، فردها فلكمت صدره ، وكانت امرأة جلدة ، وقالت : إليك عني ، لا أرضى لك . فقال : يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أنت ترجعي . قالت : ولم وقد بلغني أنه قد مثل بأخي ؟ وذلك في الله ، فما أرضانا بما كان من ذلك ، فلاصبرن وأحتسبن إن شاء الله . فجاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : " خل سبيلها " ، فأتته فنظرت إليه ، فصلت عليه ، واسترجعت ، واستغفرت له . وروى الطبراني والبزار ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف على عقل صفية بنت عبد المطلب ، فوضع يده على صدرها فاسترجعت ، وبكت . وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار عن الزبير والطبراني بسند رجاله ثقات ، عن ابن عباس : أن صفية رضي الله عنها أتت بثوبين معها فقالت : هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة ، فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما . قال : فجئنا بالثوبين لنلفه فيهما فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار ، فعل به مثل ما فعل بحمزة ، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين ، والأنصاري لا كفن له ، فقلنا : لحمزة ثوب ، وللأنصاري ثوب ، فكان أحدهما أكبر من الاخر فأقر عنا بينهما فكفنا كلا منهما في الثوب الذي طاوله ، وجعل أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه يريد أن ينال من قريش ، لما رأى من غم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل حمزة ما مثل به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إليه أن اجلس وكان قائما ، ثم قال : " يا أبا قتادة . إن قريشا أهل أمانة ، من بغاهم العواثر أكبه الله تعالى لفيه ، وعسى إن طالت بك حياة أن تحقر عملك مع أعمالهم ، وفعالك مع فعالهم ، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى " . فقال أبو قتادة : يا رسول الله ، ما غضبت إلا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، حين نالوا من حمزة ما نالوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدقت ، بئس القوم كانوا لنبيهم " . وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قتل حمزة جنبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " غسلته الملائكة " ، وعند ابن سعد عن الحسن مرسلا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لقد رأيت الملائكة تغسل حمزة " ( 1 ) .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 175 وذكره الهيثمي في المجمع 2 / 105 .